زكريا القزويني

193

آثار البلاد واخبار العباد

دمياط مدينة قديمة بين تنيس ومصر مخصوصة بالهواء الطيب ، وهي من ثغور الإسلام ، عندها يصبّ ماء النيل في البحر ، وعرض النيل هناك نحو مائة ذراع ، وعليه من جانبيه برجان ، بينهما سلسلة حديد عليها جرس ، لا يدخل مركب في البحر ولا يخرج إلّا بإذن ، وعلى سورها مدارس ورباطات كثيرة . عن رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، انّه قال لعمر بن الخطّاب : يا عمر سيفتح على يديك ثغران : الإسكندريّة ودمياط ، أمّا الإسكندريّة فخرابها من البربر ، وأمّا دمياط فهم صفوة من صفوة شهداء من رابطها ليلة كان معي في حظيرة القدس . وحكى الحسن بن محمّد المهلّبي قال : من طريف أمر دمياط ان الحاكة بها يعملون الثياب الرفيعة ، وهم قبط من سفلة الناس ، أكثر أكلهم السمك المملوح والطري ، فإذا أكلوا عادوا إلى الصنعة من غير غسل الأيدي ، وينشطون بها ويعملون في غزلها ، فإذا قطع الثوب لا يشكّ من يقلّبه انّه بخر بالندّ ! وقال أيضا : من طريف أمر دمياط ان في قبليّها على الخليج غرفا تعرف بالمعامل ، يستأجرها الحاكة لعمل ثياب الشرب فيها ، فلا تكاد تنجب إلّا بها ، فإن عمل بها ثوب وبقي منها شبر ونقل إلى غير هذه الغرف علم بذلك السمسار المبتاع للثوب ، وينقص من ثمنه لاختلاف جوهر الثوب ، وتبلغ قيمة الثوب الأبيض بدمياط وليس فيه ذهب ثلاثمائة دينار ، ولا تشارك تنيس في شيء من عملها ، وبينهما مسيرة نصف نهار . ولا يعمل بدمياط مصبوغ ولا بتنيس أبيض وهما حاضرتا البحر . وبها أنواع الطير والسمك ذكرناها في تنيس لا نعيدها . وبها الفرش القلموني من كلّ لون . وبها سمكة يقال لها الدلفين ، وهي في خلقة زقّ ، زعموا أنّها تنجي الغريق ، وبها سمكة أخرى من أكلها يرى